الشحنـــــة - وليد الزيادي
الجمعة 16 اكتوبر 2020 الساعة 08:07
الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة


اتصال دولي من رقم مجهول، لكنّه لم يردّ.
هذه هي المرة الثانية التي يتجاهل فيها نفس الرقم، خشية أن يكون أحداً من أقربائه أو شخصاً يعرفه يطلب معونة مالية، وذلك نظراً للظروف الصعبة التي يمرّ بها وطنه، فالحرب دمّرت كلّ شيء جميل في بلده السعيدة، والأرض ابتلعت شباب أبنائها، وترمّلت النساء، وتيتّم الأبناء، وانتشرت الأوبئة والأمراض، وكثير من الناس لا يجدون ثمن الدواء.
لم يكن سعيداً بتجاهل هذا الاتصال، لكنّه كان مضطرّاً خاصّة بعد أن قام بتحويل آخر مبلغ لديه لمراسيم دفن جارته العجوز التي فضلت أن تموت على فراشها بدلاً من الموت في غرفة الإنعاش في المستشفى، وتحمّل أولادها تكاليف مالية كبيرة لا طاقة لهم بها.
عند خروجه من مكتبه متّجهاً إلى منزله كان الطريق مزدحماً جدّاً، وكانت السيارات تسير ببطء شديد. بحث عن الفلاش الذي يحتوي على أغنيات يمنية جميلة، استطاعت ألحانها الوترية أن تنسيه زحمة الطريق، وحرارة ورطوبة الجوّ، وبينما هو منتشٍ بذلك يرنّ الهاتف مرة أخرى من نفس الرقم، فلم يتجاهل الاتصال هذه المرة، ظانّاً أنّ هناك أمراً طارئاً أو مصيبة حلّت بأحد من أقربائه.
- ألو
- مساء الخير، كان صوتها ناعماً ومرتبكاً.. (كيف حالك يا منير)
- أهلاً، في أحسن حال، والحمد لله
- أنا الصحفية ابتسام.
- (مش معقول) عزيزتي ابتسام منذ زمن لم أسمع صوتك، لكنّي أتابع مقالاتك الجريئة بشغف كبير، وأنا أشعر بالقلق الدائم عليك. فهل أنت بخير؟ ولقد حاولت الاتصال بك أكثر من مرة ولكن هاتفك كان مغلقاً.
-  نعم لقد قمت بتغيير رقمي لأسباب خارجة عن إرادتي، ولكن لا تقلق، فلولا أنّني من عائلة كبيرة ومعروفة، وقبيلتي هي التي تحميني لكنت الآن في خبر كان.
لكن لا أخفي عليك القول إنّني تسبّبت بالكثير من الأذى لأسرتي، وخصوصاً بعد أن تعرّضت لحـادث سير منذ فترة ــــ بفعلة فاعل ـــــ ، ودخلت على إثره المستشفى، وعندما خرجت ازددت إصراراً على أن أكمل مشواري في تعرية النظام وكشف المستور وعدم السكوت عن بؤس الواقع المرير الذي نعيشه.
لهذا فقد تمّ منع نشر مقالاتي في كلّ الصحف المحلّية، وها أنا أقوم بنشرها في الصحف العربية. وقد تمّت طباعة مقالاتي في كتاب من إحدى دور النشر في الخارج، وسيتمّ عرضه في معرض الكتاب لديكم، وكنت أرغب أن تشتري لي بعض النسخ، وأن ترسلها مع صديقة لي ستأتي إلى صنعاء بعد غدٍ.
أردت أن استأذنك قبل أن أخبرها بأن تتّصل بك غداً، لتأخذ منك الكتب (إن كان هذا الأمر لا يزعجك).
- حمداً لله على سلامتك أولاً، وثانياً أهنّئك على صدور كتابك، وسأحرص على شراء الكتب وإرسالها إليك، ونظلّ على تواصل بإذن الله.
ذهب بسيّارته متّجهاً إلى معرض الكتاب، واشترى بعض النسخ من كتابها (السلام يبدأ من الداخل)، واشترى لها أيضاً رواية (الطاعون) التي قرأها أكثر من مرة، لا سيما بعد أن اشتعلت الحرب، والتهمت الأخضر واليابس في بلاده، وانتشر الخراب والفساد والظلم كالطاعون في رواية ألبير كامو. كما اشترى لها أيضاً ديواناً لنزار قباني (طفولة نهد)، فقد أهدى هذا الكتاب لابتسام في بداية علاقتهما العاطفية، فقد كانت هي حبّه الأول، وكانا مخطوبين لبعضهما، وعندما جاءت له فرصة السفر إلى الخارج، عارضت فكرة سفره تماماً، فهي مؤمنة بأنّ الوطن يحتاج إلى كفاءات وعقول شبابه، وأنّ الهجرة هي هروب من المسؤولية تجاه هذا الوطن الجريح.
كان منير موظّفاً مهمّاً في إحدى وزارات الدولة، ولا ينتمي إلى أيّ حزب أو تيّار دينيّ.. وكان على وشك أن يمسك منصب نائب مدير، لكن كان يجب عليه أن ينضمّ إلى الحزب الحاكم حتى يصل إلى هذه المكانة، كما عُرض عليه أن يكون عضو لجنة دائمة في الحزب.. ولمثل هذه المواصفات كان يجب عليه أن يتخلّى عن الكثير من مبادئه وقيمه التي تربّى عليها، كأن يكون منافقاً ويقبل الرشاوى، ويمرّر المعاملات غير القانونية وما إلى ذلك. فكانت الهجرة هي الخيار الوحيد لديه.
تمّ فسخ الخطبة بينه وبين ابتسام، وتحوّلت علاقتهما من حبّ إلى صداقة حميمة.
لم يتّصل به أحد من طرفها لا في اليوم الأول ولا الثاني ولا الثالث، فظنّ أنّ صديقتها أجّلت سفرها، وأنّها ستسافر في وقت لاحق.
مرّت أيام والكتب تتنقل معه أينما ذهب، ولم يتّصل به أحد، ما أتاح له الفرصة أن يقرأ كتابها بتأنٍّ وعمق، فأصابه نوع من الغيرة على جرأتها وشجاعتها التي افتقدها منذ أن فقدها، ورحل إلى المجهول.
اتّصل بابتسام، وسألها عن صديقتها، إلّا أنّها تحدّثت إليه بصوت حزين أنّ صديقتها تحجّجت بعدم وجود مساحة في حقيبتها لحمل ولو نسخة واحدة.
وقد وعدها بأنّه سيبحث عن أقرب مسافر، ليرسل معه الكتب، لا سيما بعد انقطاع البريد بكلّ أنواعه. شكرته كثيراً، وسعدت أيضاً بالكتب الأخرى التي اشتراها لها.
مرّ أسبوع آخر ومنير يبحث عن مسافر، فقد كان يظنّ أنّ المهمّة سهلة، لكنّها كانت صعبة للغاية، خاصّة لعدم وجود طيران إلّا إلى عدن ثمّ المرور برّاً إلى صنعاء.
الشيء الوحيد الذي يحمله المسافر معه مكتوباً هو جواز سفره، أو أوراق طبية، و من يحمل في يده جواز سفر أو بطاقة شخصية فقد يكون انتماؤه إلى عائلة معينة أو قبيلة ما يسبّب له الهلاك، أو الكثير من المشكلات لأيّ طرف من الأطراف المتنازعة، دون أن يكون له يد في هذا النزاع سوى أنّه ابن لهذا الوطن، ولديه أسرة يعيلها بل أسر يهتمّ بها، وخاصّة بعد اشتعال الفتنة وانهيار الاقتصاد في أرجاء المعمورة. فكيف من يحمل كتاباً فكرياً أو ثقافياً؟.
إن استطاع أن يعبر بهذه الكتب من المطار رغم التدقيق الشديد فكيف سيتجاوز العديد من نقاط التفتيش البرّية التي لا تعدّ ولا تحصى إلى صنعاء، ناهيك عن عصابات النهب والسلب وقطّاعي الطرق؟ أوليس من الأجدر أن ينجو المسافر بنفسه أولاً وأخيراً؟
في آخر محاولاته لتوصيل الكتب إلى ابتسام، اتّصل بصديق له، وهو تاجر يقوم بشحن بضائع عن طريق البرّ إلى اليمن، وطلب منه راجياً أن يقوم بدسّ الكتب في إحدى بضائعه التي يشحنها.. وقد وعده التاجر أنّه سيقوم بتهريبها (أي الكتب) مع شاحنة ستتّجه إلى صنعاء خلال الأسبوع المقبل، فشكره منير على هذه الخدمة التي لن ينساها له طوال العمر.
عندما علمت ابتسام بهذا الخبر فرحت كثيراً، وكانت تنتظر على أحرّ من الجمر.
بعد عشرة أيام تقريباً اتّصل التاجر بمنير ليعلمه بأنّ الشحنة مرّت عبر الحدود بسلام، وعبرت العديد من نقاط التفتيش إلّا أنّ إحدى هذه النقاط القريبة من صنعاء، اكتشفت مكان الكتب عن طريق أحد رجالها، والذي برقت عيناه، وسال لعابه لاكتشافه هذه الوليمة الدسمة، فذهب مسرعاً إلى المشرف العام الذي كان أمّيّاً، فتصفّح الكتب جميعها بالمقلوب، وغضب غضباً شديداً دون أن يعي صفحة واحدة منها.
كما أمر بتفتيش المركبة مرة أخرى بدقّة شديدة للبحث عن كتب أخرى وكأنّها ممنوعات أو مخدّرات، وكادوا أن يحجزوا البضاعة برمّتها، فاضطرّ السائق أن يدفع مبلغاً كبيراً من المال للإفراج عنها وترك الشاحنة تمضي في سبيلها بأمان، وعلى شرط أن يقوم السائق بإحراق الكتب بيديه.


ميتشيجن 15 فبراير 2020

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

متعلقات