" الذاكرة " - عبد الرحمن الخضر
السبت 17 اكتوبر 2020 الساعة 07:34
الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة

 


على الشاطئ . عيناي هاتان الفقاعتان اللتان تسكنان على جانبي أنفي , الجزء المفتوح من الخد في الخدين مفتوحتان على قطرتين زرقاوتين تناظران عيني كالبعد بين زجاجتي نظارتي هي المسافة بين عيني .
عيناي ؟ ... لاأرى لي عينين . تلكما في المرآة .هذا الذي أراه بحرين يترجرجان في هذا الإناء العظيم.
بحران ؟ هذا الذي أراه بحرا . ليسا بحرين على جانبي أنفي 
السماء تغسل ألوان البرتقال القادمة من المدينة .
الساحل لاينتهي . يستريح هنيهة ويمضي . يتمطى بعيد بعيدا .
الموج يأتي ابدا إلى الشاطئ . لاأرى موجايذهب .
 لا أرى شواطئ -غيرشاطئي - أخرى تنتظرموجا يأتي إليها . 
الكلب الصغيرالذي للتو اعتمد على نفسه تركته أمه على الشاطئ .
الكلب الصغيرتركته أمه على الشاطئ ودخلت المدينة دونه . تخلت عنه .
نسيت منذاللحظة دونه منذ الخطوة دونه أنه كان ابنها .
ستأتي غدا إلى الشاطئ تأكل مما يقذفه البحروجيران البحر. لن تذكرأنها تركت هنا ذلك الكلب الصغيرالذي إلى لحظة مضت كانت تكشر- حنانا عليه – أنيابها للريح وتعتدي – شغفا به – على الآخرين .
لن تذكرشيئاعن ذلك الصغير .
كيف تموت الأمومة في الحيوان ؟ كيف تتألف الأمومة في الحيوان ؟
ستراه على الشاطئ لايعني لها شيئا , كلبا كأي كلب . كلبا ككل الكلاب .
سيركبها يوما وستحبل له وتلد . هكذاتتكون قبيلة الكلاب 
يسألني طفلي : مامعنى إبن الحرام ؟
" حينما نتعلم الكلام فإننا نتعلم أن نترجم . فالطفل حين يسأل أمه عن معنى كلمة فهوفي الواقع يطلب منها ان تترجم له المصطلح الذي لم يألفه إلى كلمات بسيطة يعرفها  " ** .
الكلب الصغيرينبح ويأكل شيئا على الشاطئ .
هل وعت أمه هذا الأمرودربته حتى استوى عوده ؟ كيف تعي هذا ؟ وتتركه على الشاطئ وترحل عنه ؟ أهي التي تتخلى عن أمومتها ؟ متى وكيف تأتي تلك اللحظة التي تموت عندها الأمومة ؟
السيارة بعيدة تأتي من المدينة وتقف على شاطئ البحر
خيط أبيض أم أسود ينسل منها, يقترب من الماء , ينحني . طرح شيئا أوالتقط شيئا . إنتصب . إنتظرقليلا قبل أن يعود وينزرق في السيارة .
عادت السيارة إلى الخلف . إستدارت . تحولت نحوي . ضبطني ضوؤها . إنطلقت . جاءتني . كادت تدهسني
رايت في نافذة من السيارة مفتوحة : عينين تبحلقان في وجهي . تتوتران في وجهي . تندمجان في وجهي . تلتقط وجهي وتطبعه في الذاكرة وتنحرف وتنطلق عائدة إلى المدينة .
الكلاب لاتسوق المركبات إلى الشاطئ لتتخلى عن أمومتها وتترك صغارها وتدخل المدينة .
القمرالمغربل يتناثربعيدا حتى مطلع البحر. والمدينة تزدرد السيارة ِ
السماء تغسل ألوان البرتقال . تنثر رذاذها على الشاطئ
سمعت بكاءا .
أسمينا صوت الكلب نباحا لكنه يبكي .
لم يستوعوده .
أي نسيان عظيم جعل تلك الكلبة تنفرد عن بقية الكلبات وتتخلى عن صغيرها قبل أن يستوي عوده .
أي أمومة تلك التي دون غيرها تموت قبل الأجل؟
كل الكلبات يتركنهم عندما يرشدون .
الصغيربين أحجارالشاطئ يبكي .
الساحل لاينتهي . يستريح هنيهة ويسير لا ينتهي . وأنا أسير ولا أنتهي . وبكاؤه هذا الصغير يتبعني ولاينتهي 
الساحل يتمطى بعيدا بعيدا وبكاؤه يتمطى معي لايفارق قلبي .
لماذا هذا الصغيربكاؤه لا يبرح قلبي ؟
سأعود .
أيتبنون الكلاب ؟
سنتبناه حتى يكبر . سأقول لزوجتي أننا لن نكون أبوين لهذا الكلب. .
سنعطف عليه حتى يكبرويستوي عوده يعتمد على نفسه 
الكلاب لاذاكرة لهم – سأقول لها – لقد نسيت أمه أنه ابنها وإلى الأبد .
حين يبلغ رشده – سأطمئنها – نأتي به إلى الشاطئ نتخلى عنه ونقفل راجعين 
أننوب عن تلك الكلاب التي تترك صغارها على الشاطئ وتعود تدخل المدينة ؟
الكلب الصغيريبكي . أعود . أوتارقلبي تعزف رأفة الرب .
رذاذ ألوان البرتقال تتناثرعلى الشاطئ .
أمد يدي إليه : رائحة الفل . البحرالليلة يتنفس فلا .
أتحسسه : جسد رغو ناعم وفم شفاف وأصابع خمس ممتدة . لاذيل في مؤخرته . وهذا البكاء ليس ذلك نباحا
إنه إنسان طري بدأ حياته للتوهذا الذي بين يدي 
تلك السيارة ؟
شيئ خامرني وأنا ألمس رذاذ الموج على جسده الرضيع . لاأدري لماذا رفعته وتذوقت رذاذه .
حملت طفلي . الكلاب لايحملون أبناءهم . الكلاب لايعرفون أباءهم .
بعد ثمانية عشرعاما أعني قبل ثمانية عشرعاما تمكن هذا الانسان بين يدي من أن يكتب وينادى باسم ثلاثي محوره أنا . 
في مرة من مرات البكاء التي تتحفنا بها زوجتي طعمت الدمع في خدها كطعم تلك الدمعا ت التي تخلفت مع إبني على الشاطئ حين تركته تلك السيارة وعادت إلى المدينة . 
الكلاب لاتذكرأبناءها . تتركهم على الشاطئ وتنساهم إلى الأبد 
ليست كلبة تلك التي لازالت تذكرأنها منذ ثمانية عشرعاما لفت رضيعها في خرقة بيضاء وأتت به إلى الشاطئ . وحين رأت رجلا يمشي على الشاطئ نحوها قبلت رضيعها . بللته بدموعها . وتركته على الشاطئ .
جاءتني . كادت تدهسني . رأيت في نافذة من السيارة مفتوحة : عينين تبحلقان في وجهي . تتوتران في وجهي . تندمجان في وجهي . تلتقط وجهي وتطبعه في الذاكرة .
راحت السيارة تغيب عن هذا الذي بين يديَ وتتماهى في السراب البرتقالي

----------------------

* * "أكتافوبياث" في موضوع عن الترجمة .


 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

متعلقات